نصر حامد أبو زيد
196
الاتجاه العقلي في التفسير
تقتضى على هذا التأويل - أي تأويل الابصار بالمبصرين - « أن يرى اللّه نفسه لأنه من المبصرين » 186 غير أن المعتزلة يردون على هذا الاشكال بدليل عقلي فحواه « أنه تعالى وإن كان مبصرا ، فإنما يرى ما تصحّ رؤيته ، ونفسه يستحيل أن ترى - لما قد بينا أنه يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا يرجع إلى ذاته ، وما كان نفيه راجعا إلى ذاته فإن اثباته نقص ، والنقص لا يجوز على اللّه تعالى » 187 ولا يكون هذا الاشكال واردا على مفسّر معتزلي كالزمخشري لأنه لم يتأول الأبصار على أنها المبصرون كما فعل القاضي عبد الجبار ، وإنما البصر عنده « هو الجوهر اللطيف الذي ركبه اللّه في حاسة النظر وبه تدرك المبصرات ، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأنه الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات ( وهو يدرك الأبصار ) وهو للطف ادراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك ( وهو اللطيف ) يلطف عن أن تدركه الأبصار ( الخبير ) بكل لطيف يدرك الأبصار لا تلطف عن ادراكه وهذا من باب اللف » 188 . وفي هذا التفسير تسعف الزمخشري معرفته البلاغية فيبتعد عن الاشكال الذي يثيره تأويل « الأبصار » بالمبصرين ، ويساعده على ذلك ربط آخر الآية بأولها على طريقة « اللف » بمعنى أن نفي ادراك الأبصار للّه يؤكده كونه - سبحانه - لطيفا ، واثبات ادراكه لها يؤكده كونه خبيرا . ثم إن تعريف الزمخشري للأبصار بأنها جواهر لطيفة وأن اللّه يدركها يستند إلى أساس كلامي للمعتزلة ، وللنظّام خصوصا في أن الجواهر يجوز أن ترى . وبذلك يرى اللّه ما تجوز عليه رؤيته ، ويرتفع الاعتراض الذي يمكن أن يثور من الخصوم على ذلك . إلى هنا ينتهي المعتزلة من ايراد دليلهم المحكم من السمع ، ويدفعون الاعتراض الذي يثيره الخصوم على هذا الدليل . وهذا يؤدي بهم إلى الخوض في مسائل لغوية ودلالية حول معنى اللفظ منفردا ومعناه في تركيب معين . وفي هذه النقطة أفلح القاضي عبد الجبار في تفسير الآية بما يتفق مع وجهة النظر الاعتزالية . غير أن تأويله للأبصار بأن المقصود بها المبصرون أوقعه في اشكالات راح يدفعها ، وهي اشكالات تخلّص منها الزمخشري تخلّصا بلاغيا استخرجه من السياق العام للآية الذي لا يفصل بين أولها وآخرها . غير أننا يجب أن نثبت أن القاضي عبد الجبار له كتابان : المغني في أبواب التوحيد والعدل ، وشرح الأصول الخمسة ، وأنه في الكتاب الأول لم يورد هذا التأويل الذي أوقعه في الاشكالات . بل ورد هذا التأويل في كتابه الثاني « شرح الأصول الخمسة » وهو كتاب يختلف في أسلوبه وطريقة عرضه عن الكتاب الأول ، الأمر الذي يجعلنا نظن أن هذه التأويلات من صنع شارح الكتاب والمعلّق عليه وهوم أحد تلاميذ القاضي عبد الجبار .